محمد جواد مغنية
171
في ظلال نهج البلاغة
لأن الشماتة تنم عن اللؤم والصغار . . ومن يحذر العواقب لا يشمت . وبحكمة قيل : لا تشمت بأخيك ، فيعافيه اللَّه ويبتليك ( ولا يدخل في الباطل إلخ ) . . ألزم نفسه أن يقوم بما عليه من واجب ، ويتساهل بما له من حق خاص ، وان يناصر المحقين ، ويجاهد المبطلين ، وان لا يحزن لفوات كلمة تبرزه ، وتومئ إلى مكانته ، وان لا يسيء إلى مخلوق ، ولا يتكل إلا على نفسه بعد اللَّه ، وان يتأدب بآداب الشرع والدين بلا تحجر وتزمت ، ولا رياء ونفاق . قال الشريف الرضي : فما أتم الإمام كلامه حتى صعق همام صعقة كانت نفسه فيها . عليه رحمة اللَّه ورضوانه . قال أمير المؤمنين ( ع ) : لقد كنت أخافها عليه . . هكذا تصنع المواعظ المبالغة بأهلها فقال قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين فقال : ان لكل أجل وقتا لا يعدوه ، وسببا لا يتجاوزه . فمهلا لا تعد لمثلها ، فإنما نفث الشيطان على لسانك . ان الانسان ابن الأرض ، وبها يشبه ، وإذا قارنا بين هذا القائل وقسوته ، وبين همام ورحمته - ظهر أن التفاوت بينهما تماما كالتفاوت بين البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه ، والبلد الخبيث الذي لا يخرج أبدا ، أو يخرج نكدا . وقال قائل : إن الإمام ( ع ) يصف في هذه الخطبة قوما في الخيال لا في عالم الوجود ، أو هو يصف نفسه ، أو أمنيته كما ينبغي أن يكون الانسان ، لا كما هو كائن بالفعل . . ان للإنسان جسما وعواطف ورغبات ، فكيف ينفصل عنها وهل ينفصل الشيء عن نفسه وطبيعته الجواب : أولا : ان هذه الخطبة دعوة ودعاية إلى التقوى وحسن السلوك ، ويومئ إلى ذلك اتّباع الكلام أسلوبا يكثر فيه التكرار والترديد ، ومن شرط الأمر بالشيء والدعوة اليه ان يكون ممكنا لا يستعصي على قدرة المكلف وإرادته ، وأن يكون فيه جهة خير وصلاح ، وما من صفة ذكرها الإمام إلا وفيها خير كثير ، وتتناولها إرادة المكلف وقدرته ، وإذن تصح الدعوة إلى التحلي بهذه الصفات ويجوز العقاب على المخالفة والمعصية . ثانيا : ان الغاية من الدعوة إلى سبيل اللَّه والاستقامة أن يكبح الانسان أهواءه وميوله ، وان يحكمها ولا تتحكم به ، ولو لاها لكان روحا بلا جسد ، وملاكا